السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... المدونة لاتزال تحت الإنشاء

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أرشيف المدونة

مشاهدات الصفحة

التبادل الإعلاني

17‏/8‏/2017


بيان صفة الحج والعمرة - بيان فضل العشرة الأوائل من ذي الحجة والحث على اغتنامها                                 للشيخ محمد بن صالح العثيمين
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي بعث محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين، وحجةً على المبعوث إليهم أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى على العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً .
أما بعد:
فيا عباد الله، إنكم في هذه الأيام تستقبلون السفر إلى حج بيت الله الحرام ترجون من الله مغفرة الذنوب والآثام، وتأملون الفوز بالنعيم المقيم في دار السلام، وتؤمنون بالخلف العاجل من ذي الجلال والإكرام .
أيها المسلمون، إنكم تتوجهون في أشهر حرم إلى أمكنة حرام فاضلة، إلى مشاعر معظمة تؤدون عبادةً من أجَلِّ العبادات، لا يريد بها المؤمن فخراً ولا رياءً ولا نزهةً ولا طرباً ولا فرجةً، إنما يريد بها وجه الله والدار الآخرة، فأدوا هذه العبادة .
 أيها المسلمون، أدُّوها كما أمرتم مخلصين لله رب العالمين، متَّبعين لرسول الله محمد خاتم النبيين من غير غُلُوٍ ولا تقصير، فإن دين الله -تعالى - بين الغالي فيه والجافي عنه .
 أيها المسلمون، قوموا في سفركم وإقامتكم بما أوجب الله عليكم من الطهارة والصلاة وغيرهما من شعائر الدين، إذا وجدتم الماء فتطهروا به للصلاة؛ فإن مَنْ صلَّى بغير وضوء فلا صلاة له، فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه؛ والصعيد الطيب: كل ما كان على وجه الأرض من تراب أو رمل أو حجارة أو غيرها لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، أدُّوا الصلاة جماعة ولا تشتغلوا عنها بشيء، فإن صلاة الجماعة تفوت والشغل الذي تتشاغلون به يمكن قضاؤه فيما بعد، صلُّوا الصلاة الرباعية ركعتين من حين مغادرة بلدكم حتى ترجعوا إليه فصلوا الظهر والعصر والعشاء على ركعتين ركعتين تأسياً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا أن تصلوا خلف إمام يتم سواء أدركتم معه الصلاة كلها أو بعضها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا»، حتى لو لم يدرك الإنسان مع الإمام الذي يصلي أربعاً إلا التشهد الأخير فإنه يجب عليه أن يتم الصلاة أربعاً لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«وما فاتكم فأتموا»، اجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير حسب المتيسر لكم هذا إن كنتم سائرين، أما إذا كنتم نازلين فلكم الجمع رخصة، ولكن الأفضل ألا تجمعوا وأن تصلوا كل صلاة في وقتها، صلُّوا من النوافل ما شئتم من التهجد في الليل وصلاة الضحى وتحية المسجد وغيرهم من النوافل إلا ثلاث سنن فقط وهي: سنة الظهر والمغرب والعشاء، فالأفضل ألا تصلوها، تخلقوا بالأخلاق الفاضلة من الصدق والسماحة وبشاشة الوجه وخفة النفس والكرم بالمال والبدن والجاه، ﴿وَأَحسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المحُسِنِينَ﴾ ، كونوا أسوة حسنة في الأخلاق الفاضلة والآداب العالية واصبروا على المشقة والأذى؛ فإن الإنسان لابد أن يحصل له في مثل هذه الأسفار شيء من المشقة أو شيء من الأذى، قد يسمع ما يكرهه إما في نفسه وإما في غيره، فليصبر؛ فإن الله مع الصابرين، ولينصح إخوانه إذا تجاوزوا وفعلوا ما لا يحل لهم فعله من قول أو فعل، وقد قيل: إنما سمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، فكم من إنسان تراه في البلد ولكن لا تعرف عن أخلاقه ولا عن شهامته ومروءته ورجولته ودينه شيئاً فإذا صاحبته في سَفَرٍ تَبَيَّنَ لك من أخلاقه وأعماله وعباداته ما كان خفياً عنك ! فإذا وصلتم الميقات فاغتسلوا كما تغتسلون من الجنابة وطيبوا أبدانكم الرؤوس واللحى والبسوا ثياب الإحرام ثياب إحرامكم غير مطيبة إزاراً ورداءً أبيضين للذكور، وأما النساء فيلبسن ما شئن من الثياب غير متبرجات بزينة، أحرموا من أول ميقات تمرون به وإن كان ليس ميقاتكم الأصلي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وقَّتَ المواقيت وقال:«هُنَّ لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة»، ومن سافر بالطائرة فليتأهب للإحرام قبل محاذاة الميقات ثم يحرم إذا حاذاه بدون تأخير، وإذا كان يخشى أن تمر الطائرة سريعةً فلا حرج عليه أن يقدم الإحرام بخمس دقائق أو نحوها في مسير الطائرة؛ لأن تقديمه هذا التقديم خير من فوات دقيقة واحدة، إذ إن الطائرة في الدقيقة الواحدة تقطع مسافات كبيرة .
 أحرموا بالنسك من غير تردد ولا شرط، أي: لا تقولوا إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني إلا أن تخافوا من شيء يمنعكم من إتمام النسك من مرض أو غيره فقولوا عند عقد الإحرام: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني؛ لأن إمامنا ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم- لم يستثنِ، أي: لم يقل: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ولكن لما شكت إليه ضباعة بنت الزبير - رضي الله عنها - أنها شاكية وتريد الإحرام أَمَرَها أن تستثني وقال: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني فإن لَكِ على ربك ما استثنيتِ» .
 أحرموا بالعمرة قائلين: لبيك اللهم عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة، لك والملك، لا شريك لك، ارفعوا أصواتكم بالتلبية؛ فإن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يأمر أصحابه بالإهلال فكانوا يصرخون بذلك صراخاً من غير أن يلحقهم مشقة، أما النساء فلا يرفعن أصواتهن بالتلبية ولا بغيرها من الذِّكْر؛ لأنهن مأمورات بالتستر، فإذا وصلتم المسجد الحرام فطوفوا بالبيت طواف العمرة سبعة أشواط ابتداءً من الحجر الأسود وانتهاءً به، طوفوا بجميع البيت ولا تدخلوا من بين الحجر والكعبة، فمن فعل ذلك أي: دخل من بين الحجر و الكعبة فإن شوطه يكون لاغياً غير صحيح، ولا تشقوا على أنفسكم بمحاولة الوصول إلى الحجر الأسود لاستلامه أو تقبيله، وأشيروا إليه عند المشقة ولا تكلفوا أنفسكم بمحاولة الدنو من الكعبة فإن الخشوع في الطواف أفضل من القرب إلى الكعبة، وجميع المسجد مكان للطواف حتى السطح الأعلى إلا السطح الذي فوق المسعى فإنه ليس من المسجد الحرام؛ لأن المسعى ليس من المسجد الحرام؛ ولهذا يجوز للمرأة الحائض أن تجلس بانتظار أهلها في المسعى ولا حرج عليها، ولا يحل للمعتكف بالمسجد الحرام أن يخرج إلى المسعى؛ لأن المسعى ليس من المسجد الحرام، فإذا أتممتم الطواف فصلوا ركعتين خلف مقام إبراهيم وعند التقدم إلى ذلك اقرؤوا ما قرأه نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، اقرؤوا قول الله عزَّ وجل: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى﴾، فإن تيسر لكم القرب من المكان فهو أفضل، أما إذا كان المطاف مزحوماً كما هو المتوقع في أيام المواسم فلا تصلوا خلف المقام قريباً منه؛ لأن هذا المكان مكان للطائفين؛ ولهذا يجوز للإنسان الطائف إذا رأى إنساناً يصلي في المطاف يجوز له أن يمر بين يديه ولا حرج عليه؛ لأن الذي يصلي في مكان الطائفين هو المعتدي فلا حرمة له، وإذا انتهيتم من الركعتين فلا تجلسوا للدعاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجلس للدعاء بل خفَّفَ الركعتين عليه الصلاة والسلام ثم قام إلى السعي ولكنه عليه الصلاة والسلام أتى الحجر فاستلمه قبل أن يخرج إلى المسعى، فإن تيسر لكم ذلك فهو خير وإن لم يتيسر فاذهبوا إلى السعي بدون الإشارة إلى الحجر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم .
 اسعوا بين الصفا والمروة سعي العمرة سبعة أشواط تبتدئون بالصفا وتنتهون بالمروة، ذهابكم من الصفا إلى المروة شوط ورجوعكم من المروة إلى الصفا شوط آخر، فإذا أتممتم السعي فقصروا رؤوسكم من جميع الجوانب حتى يظهر أثر التقصير على الشعر، و المرأة تقصر بقدر أنملة، إي: بقدر فصلة الإصبع وبذلك تمت العمرة فتحلون الحلَّ كله، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة فأحرموا بالحج من المكان الذي أنتم فيه واصنعوا عند الإحرام بالحج كما صنعتم عند الإحرام بالعمرة قولاً وفعلاً إلا أنكم تقولون بدل قولكم في العمرة: لبيك عمرة تقولون في الحج: لبيك حجاً، ثم صلوا بمنى ظهر اليوم الثامن والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً بلا جمع تصلون الرباعية ركعتين، تصلون كل صلاة في وقتها اقتداءً بإمامكم المصطفى محمد - صلى الله عليه وسلم - رسول الله، فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع فسيروا إلى عرفة فإن تيسر لكم المقام في نمرة إلى زوال الشمس فهو أفضل وإن لم يتيسر فالأمر واسع ولله الحمد، وصلُّوا بها الظهر، أي: صلوا في عرفة الظهر والعصر قصراً وجمعاً بالتقديم ثم اشتغلوا بذكر الله ودعائه والتضرع إليه وارفعوا أيديكم عند الدعاء متضرعين إلى الله - تبارك و تعالى - مستقبلي القبلة، وأكثروا من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، فإن ذكر الله في ذلك اليوم من أفضل الذكر، وكل عرفة موقف إلا بطن الوادي عُرَنَة، وانتبهوا لحدود عرفة؛ فإن بعض الناس ينزل قبل أن يصل إليها ثم ينصرف من مكانه بدون وقوف فيها، ومن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فلا حج له، فإذا غربت الشمس في اليوم التاسع فسيروا إلى مزدلفة ملبِّين وصلوا بها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين متى وصلتم إليها إلا أن تخشوا أن ينتصف الليل قبل وصولكم إليها، فصلوا قبل منتصف الليل ولو في الطريق؛ لأنه لا يجوز تأخير صلاة العشاء عن نصف الليل إذ إن وقتها ينتهي بنصف الليل، فإذا صليتم الفجر فقفوا عند المشعر الحرام أو في أي مكان من مزدلفة، واذكروا الله - تبارك وتعالى - وادعوه حتى تسفروا جداً ثم سيروا إلى منى ملبين وابدؤوا  بجمرة العقبة؛ وهي: الأخيرة التي تلي مكة فارموها بسبع حصيات متعاقبات تكبرون مع كل حصاة، كل حصاة أكبر من الحمَّص قليلاً، وقد كان ابن عمر - رضي الله عنه - يرمي بحجرات مثل: بعر الغنم، القطوا هذه الحصيات من حيث ما شئتم من منى أو مزدلفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحدد مكان التقاطها، بل أمر أن تلتقط له وهو في منى، فإذا رميتم جمرة العقبة فاذبحوا هديكم واحلقوا رؤوسكم، والمرأة تقصره، فإذا رميتم وحلقتم أو قصرتم حلَّ لكم كل شيء من محظورات الإحرام سوى النساء ويسمى هذا التحلل الأول، فالبسوا الثياب وتطيبوا ثم انزلوا إلى مكة وطوفوا بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة وذلك للحج وبفعل هذه الأربعة: الرمي، و الحلق أو التقصير، والطواف، والسعي تحلون من محظورات الإحرام كلها حتى النساء وهذا يسمى التحلل الثاني، ولا حرج عليكم أن تؤخروا طواف الإفاضة؛ حتى تنزلوا من منى نهائياً .
 أيها المسلمون، علمتم الآن أن الحجاج يفعلون يوم العيد بعد الوصول إلى منى خمسة أنساك: الرمي، و النحر، و الحلق، و الطواف، و السعي مرتبةً هكذا، فإن قدمتم بعضها على بعض فلا حرج؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسَّع لأمته في ذلك، فكان يسأل يوم العيد عن التقديم والتأخير فما سئل عن شيء قدم يومئذ ولا أخر إلا قال:«افعل ولا حرج»، فلله الحمد والمنة والفضل والثناء، لا حرج على الإنسان أن ينزل من مزدلفة إلى مكة رأساً ويطوف ويسعى ثم يخرج إلى منى ليكمل نسكه، فلا حرج على الإنسان أن ينزل ثم يرمي الجمرة ثم يذهب إلى مكة قبل أن ينحر ويحلق، الأمر في هذا واسع، ثم بيتوا بمنى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وارموا الجمرات الثلاث في اليومين بعد الزوال، ابدؤوا برمي الجمرة الصغرى وهي: الأولى الشرقية، ارموها بسبع حصيات متعاقبات تكبرون مع كل حصاة ثم تقدموا عن الزحام واستقبلوا القبلة وارفعوا أيديكم وادعوا الله - تعالى - دعاءً طويلاً ثم ارموا الوسطى كذلك وقفوا بعدها للدعاء كما فعلتم بعد الأولى ثم ارموا الجمرة الكبرى جمرة العقبة ولا تقفوا بعدها للدعاء اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال:«خذوا عنِّي مناسككم»(4) ولا ترموا في هذين اليومين أي: الحادي عشر والثاني عشر قبل الزوال، ولكم تأخير الرمي إلى الليل مع الزحام والمشقة في النهار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وَقَّت أول الرمي دون آخره، وأَذِنَ للضعفاء أن يدفعوا من مزدلفة قبل الفجر؛ ليرموا قبل زحمة الناس وهذا دليل على مراعاة الحال، وأنه مع الزحام قد يجوز ما لا يجوز مع السعة، وارموا - أيها الإخوة - بأنفسكم ولا توكِّلوا أحداً في الرمي عنكم؛ لأن الرمي من الحج، وقد قال الله تعالى:﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لم يرخِّص للضعفاء من أهله أن يوكِّلوا بل أذِنَ لهم أن يدفعوا من مزدلفة قبل الناس؛ ولأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرخِّص للرعاة الذين يغيبون عن منى مع إبلهم أن يوكِّلوا من يرمي عنهم بل أذِنَ لهم أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً إلى اليوم الثالث، ولكن لو كان الحاج لا يستطيع الرمي بنفسه كالمريض والكبير العاجز والمرأة الحامل التي تخشى على نفسها أو حملها فحينئذٍ يجوز التوكيل لهؤلاء لتعذر رميهم بأنفسهم وحينئذٍ يرمي الوكيل عن نفسه أولاً، ثم عن موكله ثانياً في موقف واحد، فيرمي الجمرة سبعاً عن نفسه ثم سبعاً عن موكله ثم إلى الثانية سبعاً عن نفسه وسبعاً عن موكله ثم إلى الثالثة سبعاً عن نفسه و سبعاً عن موكله، ومن العجز - الذي لا شك فيه في هذه الأزمنة - إذا كان الحجاج يريدون أن يتعجلوا فيخرجوا في اليوم الثاني عشر فإنه لا يمكن للنساء أن يَرْمين بأنفسهن للزحام الشديد؛ لذلك لا حرج أن توكل المرأة ولو كانت قادرة في نفسها؛ لأنه يخشى عليها من الزحام؛ ولأنها لو أخرت الرمي لغابت الشمس قبل أن ترمي وحينئذٍ  ربما يقال: إنه يلزمها أن تبقى إلى اليوم الثالث عشر فلا بد حينئذٍ من أن توكل؛ لأننا سمعنا أموراً عظيمة تقع من النساء في مثل هذا اليوم الثاني عشر أنه يحصل لمن تعجَّل من الزحام الشديد الذي يخشى منه أن تتكشف العورة وربما يخشى منه المرض أو الكسور وربما يخشى منه الموت، وقد قال ربنا وهو أرحم الراحمين: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾  فإذا رميتم الجمرات الثلاث يوم الثاني عشر فإن شئتم فانزلوا إلى مكة وإن شئتم فتأخروا لليوم الثالث عشر؛ لترموا الجمرات الثلاث كما رميتموها في اليومين السابقين وهذا أفضل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ ، ولأنه فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ولأنه أكثر عملاً، حيث يحصل له المبيت والرمي في الثالث عشر، وهنا مسألة وهي: أن الإنسان إذا سقطت منه حصاة وهو يرمي فلا حرج أن يأخذ من تحت قدمه حصاة ولو كانت قريبة من الحوض حتى لو قدر أنه رمي بها فلا حرج؛ لأن الحصاة حصاة سواء رمى بها أم لم يرمِ بها، ومن قال من العلماء أن الحصاة المرمي بها لا يصح الرمي بها ثانية فإنه قول ضعيف لا دليل عليه، كذلك لو حصر وضُيِّق عليه في الزحام وقد رمى ثلاثاً من الحصى - مثلاً - وذهب بعيداً من الزحام ورمى الباقية فلا حرج، أو إن كان لا يمكن إيصال الحصاة إلى المرمي انتظر حتى يخف الزحام ثم رمى الباقية فلا حرج عليه؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، فإذا أتممتم أفعال النسك كلها (أفعال الحج كلها) وأردتم السفر إلى بلادكم فلا تخرجوا من مكة حتى تطوفوا للوداع؛ لأن طواف الوداع واجب على كل من حج أو اعتمر إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت يعني: الطواف قال: إلا أنه خفف عن الحائض»، واحذروا مما يفعله بعض الناس الذين يقدمون طواف الوداع على رمي الجمرات في آخر يوم فينزلون إلى مكة في ضحى اليوم الثاني عشر ويطوفون للوداع ثم يخرجون إلى منى فيرمون الجمرات ثم يغادرون فهذا فعل غير صحيح وطواف الوداع لم يجزئ عنهم؛ لأنه طواف قبل وقت حلوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
أيها الإخوة، هذه صفة الحج سقناها على نحو ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسب الإمكان والاستطاعة، نسأل الله - تعالى - أن ينفع بها وأن يجعلنا وإياكم من قادة الإصلاح ومن الهداة المهتدين، فقوموا بحجكم وعمرتكم وجميع أعمالكم مخلصين لله متَّبعين لرسوله الله صلى الله عليه وسلم؛ لتنالوا محبة الله ومغفرة ذنوبكم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.


 وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى ويسَّرنا لليسرى وجنَّبنا العسرى وغفر لنا في الآخرة والأولى إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم نلاقيه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، وخليله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى .
أما بعد:
فيا عباد الله، إنكم تستقبلون العشر الأول من شهر ذي الحجة وهذه الأيام العشر قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء»،أي: قتل شهيداً وعقر فرسه وجواده ولم يرجع من ذلك بشيء، أي: لم يرجع لا بنفسه ولا بماله فهذا قد يكون أفضل، أما ما سوى ذلك فما من أيام ٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر؛ ولهذا كان العمل في العشر الأولى من ذي الحجة أفضل من العمل في العشر الأخيرة من رمضان، هذا مقتضى كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن أكثر الناس عن هذا غافلون، لا يدرون عن فضل هذه الأيام ولا عن فضل العمل فيها إلا شيئاً يقال أحياناً على المنابر ولكنه لا يؤكد على عامة الناس، وإني أظن أن عامة الناس إذا بُيِّن لهم الأمر فإنهم سيسرعون إلى الخير؛ لهذا أكثروا من الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر، أكثروا فيها من الصلاة، أكثروا فيها من قراءة القرآن، أكثروا فيها من الذكر ولاسيما التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، من حين أن يثبت دخول شهر ذي الحجة أكثروا فيها من الصدقة، أكثروا فيها من البر، أكثروا فيها من الإحسان، أكثروا فيها من كل عمل يقربكم إلى الله ومن ذلك الصيام، فإن صيامها لا شك أنه من الأعمال الصالحة وأنه محبوب إلى الله تبارك وتعالى كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: وصوم يوم عرفة يكفر السنة التي قبلها والسنة التي بعدها، ومن أراد منكم أن يضحي فثبت دخول شهر ذي الحجة فإنه لا يحل له أن يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من أظفاره شيئاً، هكذا جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر وأراد الإنسان أن يضحي فلا يأخذن من هذه الأمور الثلاثة شيئاً: الشعر والظفر والبشرة يعني: الجلد، وأما من يضحى عنه وهم أهل البيت فلا حرج عليهم أن يأخذوا شيئاً من ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إنما نهى من أراد أن يضحي و أهل البيت يضحى عنهم ولا يضحون؛ ولهذا لا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى أهله أن يأخذوا شيئاً من ذلك مع أنهم كانوا يضحى عنهم، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يضحي بأضحيتين إحداهما عنه وعن أهل بيته والثانية عن أمته جميعاً، فجزاه الله عنا خيراً، وجعلنا من أتباعه ظاهراً وباطناً، وحشرنا في زمرته، وسقانا من حوضه، وجمعنا به في جنات النعيم، إنه هو الكريم الوهاب .
 أيها الإخوة، إن خير الحديث كتاب الله، عليكم بكتاب الله، اقرؤوا كتاب الله، تفهموا معنى كتاب الله، اعملوا بما جاء في كتاب الله، صدقوا بأخباره من غير تردد ولا شك، اعملوا بأوامره فافعلوها بدون تردد، إذا سمعتم أمر الله ورسوله فلا تقولوا: هل الأمر للوجوب أو الأمر للاستحباب ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا، واستعينوا بالله وافعلوا فإن كان أمراً واجباً فقد أبرأتم الذمة، وإن كان أمراً مستحباً فقد ارتفعت درجاتكم، وكثرت حسناتكم، وصرتم متَّبعين تماماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عابدين حقاً لله تعالى؛ ولهذا لا أعلم إلى ساعتي هذه أن الصحابة إذا أمرهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو جاء الأمر في القرآن - لا أعلم أن واحداً منهم يقول: يا رسول الله، هل الأمر هذا واجب أو مستحب، نعم يحق للإنسان أن يبحث عن كون الأمر واجباً أو مستحباً إذا خالف ولم يفعل فحينئذٍ لا حرج أن يسأل أواجب هو أم مستحب؛ من أجل أن يحدث توبة إذا كان الأمر واجباً، أما قبل الفعل فإن وظيفتنا ومنزلتنا أن نقول: سمعنا وأطعنا ونفعل .

 أيها الإخوة، اعملوا بكتاب الله ظاهراً وباطناً، عليكم به فإنه قائدكم إلى الجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممَّن يتلونه حق تلاوته، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة يعني: في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، عليكم بالجماعة وهي: اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مجتمعين عليها غير متفرقين فيها؛ فإن يد الله على الجماعة، ومَنْ شذَّ شذَّ في النار، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، أكثروا من الصلاة عليه في كل وقت؛ فإنه أعظم الناس حقاً عليكم، أكثروا من الصلاة عليه فإنكم بذلك أمرتم، أكثروا من الصلاة عليه فإنكم تنالون بذلك أجراً؛ فإن مَنْ صلَّى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارزقنا محبته واتباعه ظاهراً وباطناً، اللهم توفنا على ملته، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم اسقنا من حوضه، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي أفضل أتباع المرسلين، اللهم ارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارضَ عنا معهم وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين، اللهم اجعلنا إخوة متآلفين، مجتمعين على الحق غير متفرقين فيه يا رب العالمين، اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم صغيرهم وكبيرهم، وأصلح للولاة بطانتهم يا رب العالمين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم .


 عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، إن الله يعلم ما تفعلون، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزيدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.



للتحميل بصيغة وورد اضغط هنـــــــــــا

0 التعليقات:

بحث هذه المدونة الإلكترونية

المشاركات الشائعة

Translate